سيد قطب
1962
في ظلال القرآن
من التوحيد الذي نشره يوسف عليه السلام في مصر كما أسلفنا ؛ وبخاصة إذا صح ما يقال في التاريخ من أن أم أخناتون كانت آسيوية ولم تكن فرعونية ! وبعد هذا الاستطراد نعود إلى اللمحات الدالة على طبيعة الفترة التاريخية التي وقعت فيها أحداث القصة وتحركت فيها أشخاصها . فنجدها تتجاوز حدود الرقعة المصرية ، وتسجل طابع العصر كله . فواضح تماما انطباع هذه الفترة الزمنية بالرؤى والتنبؤات التي لا تقتصر على أرض واحدة ، ولا على قوم بأعيانهم . . ونحن نرى هذه الظاهرة واضحة في رؤيا يوسف وتعبيرها وتأويلها في النهاية . وفي رؤيا الفتيين صاحبي السجن . وفي رؤيا الملك في النهاية . . وكلها تتلقى بالاهتمام سواء ممن يرونها أو ممن يسمعونها مما يشي بطابع العصر كله ! وعلى وجه الإجمال فإن القصة غنية بالعناصر الفنية . غنية كذلك بالعنصر الإنساني ، حافلة بالانفعال والحركة . وطريقة الأداء تبرز هذه العناصر إبرازا قويا . فضلا على خصائص التعبير القرآنية الموحية المؤثرة ، ذات الإيقاع الموسيقي المناسب لكل جو من الأجواء التي يصورها السياق . في القصة يتجلى عنصر الحب الأبوي في صور ودرجات منوعة واضحة الخطوط والظلال : في حب يعقوب ليوسف وأخيه وحبه لبقية أبنائه . وفي استجاباته الشعورية للأحداث حول يوسف من أول القصة إلى آخرها . وعنصر الغيرة والتحاسد بين الإخوة من أمهات مختلفات ، بحسب ما يرون من تنوع صور الحب الأبوي . وعنصر التفاوت في الاستجابات المختلفة للغيرة والحسد في نفوس الإخوة ؛ فبعضهم يقودهم هذا الشعور إلى إضمار جريمة القتل ، وبعضهم يشير فقط بطرح يوسف في الجب تلتقطه بعض السيارة نفورا من الجريمة . . وعنصر المكر والخداع في صور شتى . من مكر إخوة يوسف به ، إلى مكر امرأة العزيز بيوسف وبزوجها وبالنسوة . وعنصر الشهوة ونزواتها والاستجابة لها بالاندفاع أو بالإحجام . وبالإعجاب والتمني ، والاعتصام والتأبي . وعنصر الندم في بعض ألوانه ، والعفو في أوانه . والفرح بتجمع المتفارقين . . وذلك إلى بعض صور المجتمع الجاهلي في طبقة العلية من الملأ : في البيت والسجن والسوق والديوان - في مصر يومذاك . والمجتمع العبراني ، وما يسود العصر من الرؤى والتنبؤات . وتبدأ القصة بالرؤيا يقصها يوسف على أبيه ، فينبئه أبوه بأن سيكون له شأن عظيم ، وينصحه بألا يقصها على إخوته كيلا يثير حسدهم فيغريهم الشيطان به فيكيدون له . . ثم تسير القصة بعد ذلك ، وكأنما هي تأويل للرؤيا ولما توقعه يعقوب من ورائها حتى إذا اكتمل تأويل الرؤيا في النهاية أنهى السياق القصة ، ولم يسر فيها كما سار كتّاب « العهد القديم » بعد هذا الختام الفني الدقيق ، الوافي بالغرض الديني كل الوفاء . وما يسمى بالعقدة الفنية في القصة واضح في قصة يوسف . فهي تبدأ بالرؤيا كما سبق ، ويظل تأويلها مجهولا ، يتكشف قليلا قليلا ، حتى تجيء الخاتمة فتحل العقدة حلا طبيعيا لا تعمّل فيه ولا اصطناع ! والقصة مقسمة إلى حلقات . كل حلقة تحتوي جملة مشاهد . والسياق يترك فجوات بين المشهد والمشهد يملؤها تخيل القارئ وتصوره ، ويكمل ما حذف من حركات وأقوال ، مع ما في هذا من تشويق ومتاع . . وحسبنا هذا القدر من التحليل الفني لقصة يوسف ، وتمثيلها للمنهج القرآني الإسلامي في الأداء . وفي هذا القدر ما يكشف عن مدى الإمكانيات التي يعرضها هذا المنهج للمحاولات البشرية في الأدب الإسلامي ،